مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
252
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
المناقشة الثالثة : أنّ دعوى استكشاف الإذن من شاهد الحال وإن كانت ممكنة في نفسها ؛ إذ المناط في ذلك هو الكشف عن رضا المعصوم عليه السلام بأيّ طريق كان ، ولا موضوعيّة للإذن الصريح ، ولكنّها أخص من المدّعى ، فإنّه ليس كلّ فتح مرضياً للأئمة حتى ما كان من الفتح موجباً لكسر الإسلام وضعفه ( « 1 » ) ؛ إذ من المحتمل ترتّب مفسدة على غزوةٍ ما لا يعلمها إلّا الإمام المعصوم كاندحار الجيش بنحو لا تتدارك مفسدته بمصلحة الفتح المتعقّب له ، وعليه لا يمكن إحراز كون جميع الفتوحات عن رضا الإمام عليه السلام . نعم ، إذا علم في مورد خاص عدم ترتّب مفسدة على الفتح يستكشف رضاه عليه السلام ، وأنّا لنا بإثباته ( « 2 » ) . ومع ذلك كلّه قد عوّل بعض الفقهاء المعاصرين على هذا الدليل في إثبات تحقّق رضا الأئمّة عليهم السلام في الفتوحات حيث قال : « إنّ طريق إحراز الإذن منحصر بالعلم برضائهم عليهم السلام بتوسعة ظاهر الإسلام لأرض المسلمين في مقابل الكفر وأرضهم ، كما كان كذلك عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوّل البعثة ، بل في تمام زمان حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ ظاهر الإسلام مطلوب في مقابل الكفر ، ويمكن أن يربّى في ضمن تلك الصورة الظاهرة أشخاص ذوو حقيقة وواقعيّة . وأمّا ما ورد من حرمة الجهاد إلّا مع الإمام العادل ، فهو حكم واقعي صحيح لا ينافي مطلوبية صورة الإسلام وظاهره بحسب الظاهر . وبالجملة : دعوى العلم بتحقّق الرضا من المعصوم صحيح بعد التأمّل فيما ورد من المطلقات المرغّبة إلى الإسلام والمجاملة مع فرقهم ومداراة الأئمّة عليهم السلام معهم ، وبعد التأمّل في معاداة مطلق فرق الكفر مع المسلمين مطلقاً بلا فرق بين الفتوحات الحاصلة في زمان الخلفاء الراشدين وزمان غيرهم من بني اميّة وبني العبّاس » ( « 3 » ) . الطريق الخامس : التمسك بأصالة الصحة ، وهذا ما ذكره الشيخ الأنصاري من أنّه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد على الوجه الصحيح ، وهو كونه بأمر الإمام ( « 4 » ) . ونوقش فيه : أوّلًا : بتوقّف جريان هذه القاعدة بنحو يفيدنا في المقام على أن يكون للغزو قسمان : أحدهما صحيح ، والآخر فاسد كالبيع ، وما نحن فيه لم يكن من هذا القبيل ، وإنّما الفتح له شقّان لكلّ منهما حكم يخصّه ، فإنّ المفتوح إن كان بإذن الإمام عليه السلام فالأرض ملك للمسلمين ، وإن لم يكن بإذنه فهي وغيرها من الغنائم ملك له خاصة ، وعليه لا مجال لجريان أصالة الصحة ( « 5 » ) . وثانياً : بأنّه لا معنى لحمل فعل السلطان أو الغزاة على الصحة من حيث استئذانهم من الإمام عليه السلام ، فإنّ السلطان غاصب لمقامه بل من ألدّ أعدائه ، والغزاة بعد أن تركوا نصرته وبايعوا عدوه لا معنى لاستئذانهم منه ، مضافاً إلى أنّ الجندي غالباً ليس له الاختيار في ترك ما يأمره
--> ( 1 ) مصباح الفقاهة 1 : 548 . ( 2 ) محاضرات في الفقه الجعفري 1 : 703 . ( 3 ) مهذب الأحكام 17 : 65 . ( 4 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 246 . ( 5 ) انظر : مصباح الفقاهة 1 : 549 .